جيرُ السياسة وتشناقتُ الأعيان: بني ملال-خنيفرة على مقصلة "التطهير الهادئ"
بقلم: محمد المخطاري
من يعش في جغرافيا جهة بني ملال-خنيفرة، ويحفظ تضاريسها السياسية كما يحفظ تفاصيل تلالها وسهولها، يدرك أن ما يحدث اليوم في كواليس "السيستيم" المركزي ليس مجرد زوبعة في فنجان تقارير رقابية، بل هو عملية "تكسير للجير" (le détartrage) طال انتظارها؛ عملية تجفيف للمنابع الريعية تقودها يد مركزية صلبة، تتحرك بصمت المسدس الكاتم للصوت، لتعيد صياغة النخب في أفق مرحلة سياسية جديدة لا تقبل الهواية.
كصحفي نبت في هذه التربة وخبر نخبها عن قرب، لم يكن مفاجئاً لي أن تلتفت ماكينة الحصاد المركزية صوب أعيان الجهة. لقد عشنا لسنوات نراقب كيف تحولت "التشناقت" من ممارسة تجارية مشروعة في الأسواق ببني ملال والفقيه بن صالح وخريبكة وأزيلال، إلى "مذهب سياسي" قائم الذات. تخصصت فيه وجوه عمرت طويلاً في المشهد، وجوه لا تملك رصيداً علمياً ولا عمقاً ثقافياً، لكنها حازت "العالمية" في الهندسة الانتخابية، والقدرة الفائقة على تدوير التزكيات، وتتبع رائحة "العسل" الحزبي أينما حلّت وارتحلت.
لقد قامت شرعية هؤلاء "الأعيان الشناقة" لسنوات على معادلة بسيطة: "نحن نضبط الخزان الانتخابي محلياً، مقابل غض الطرف المركزي عن هوامش الريع التدبيري والصفقات". لكن هذه النخبة، وفي غمرة نشوتها بالحصانة الافتراضية، لم تقرأ التحولات التكتونية للمخزن. لم تدرك أن الدولة التي تستعد للعقد القادم بمشاريع سيادية ضخمة، وبأوراش مائية وفلاحية ولوجستيكية حارقة بالجهة، لم تعد قادرة على تحمل كلفة "أعيان" تحولوا من صمامات أمان إلى عبء ثقيل ومحرج أمام الرأي العام والشركاء الدوليين.
بسقوط قلاع سياسية تاريخية بالجهة كانت تظن نفسها عصية على "الدك"، يتأكد لنا ـ نحن أبناء هذه المنطقة ـ أن زمن "الوساطة الريعية التقليدية" يعيش خريفه الأخير. المنظومة لم تعد بحاجة إلى "كوابح تدبيرية" تتقن فقط البلوكاج وتحويل المجالس المنتخبة إلى ملكيات خاصة؛ بل تبحث اليوم، وبعجل، عن نخب تكنوقراطية بملامح محلية، نخب تتقن لغة الأرقام والمؤشرات، وقادرة على مجاراة إيقاع قصر يريد نخباً تشبه طموحه التنموي.
إن ما نعيشه اليوم في جهة بني ملال-خنيفرة ليس تصفية حسابات عابرة، بل هو عملية تنقية واعية لأوعية التدبير الترابي. وكابن لهذه المنطقة، أقولها بمرارة العارف: إن الوجوه التي ظلت تقفز من غصن حزبي إلى آخر بحثاً عن التموقع، وتفننت لسنوات في كواليس "تاشلاهبيت" والمناورة، تجد نفسها اليوم عارية تماماً أمام أوراق القضاء الصارمة وآليات الرقابة التي لا ترحم. لزوماً على هذه الوجوه اليوم أن تفهم الإشارة، وتفسح المجال دون تردد وتنسحب وتلتزم الصمت، فالحقائق بدأت تطفو على السطح، وحبل الكذب السياسي قصير جداً.
القطار انطلق، والجير المتراكم على جدران المجالس المحلية يتساقط، والسرعة القادمة لن ترحم من لا يملك في جعبته سوى الكفاءة في "التشناقت". فهل تستوعب النخب المتبقية أن قواعد اللعبة قد تغيرت إلى غير رجعة؟ وأن طراوة المنظومة الجديدة لن تقبل بالوجوه القديمة ذاتها؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق