زلزال الأرقام بهندسة البكالوريا 2026: جهة "بني ملال-خنيفرة" تتذيل الترتيب الوطني.. هل دقت ساعة الاستفاقة التربوية؟




​بني ملال – غرفة التحرير - أطلس 24 

​أسدل الستار رسمياً على امتحانات شهادة البكالوريا برسم موسم 2026، بعد إعلان وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عن الحصيلة الرقمية الشاملة التي دمجت نتائج الدورتين العادية والاستدراكية. وفي الوقت الذي عاشت فيه المنظومة التعليمية بالمملكة على إيقاع طفرة مئوية غير مسبوقة رفعت معدل النجاح الوطني إلى 81.6%، وضعت لغة الأرقام الصارمة جهة بني ملال-خنيفرة أمام مرآة واقعها التربوي، بعد أن تموقعت في أسفل الترتيب الوطني بنسبة نجاح تجمدت عند 68.81%، لتكون الجهة الوحيدة التي لم تطرق عتبة السبعين في المائة.

​هذا الفارق الشاسع الذي يفصل الجهة عن المعدل الوطني بـنحو 13 نقطة مئوية، وعن جهة الشرق المتصدرة بـأزيد من 20 نقطة، فجّر موجة من التساؤلات الحارقة وسط الفاعلين التربويين والأسر بالمنطقة: ما الذي يعطل ماكينة التحصيل الدراسي بجهة بني ملال-خنيفرة؟ وكيف يمكن تشريح هذه الصدمة الرقمية بمنظور نقدي يستشرف الحلول بعيداً عن جلد الذات؟

​مفارقة أزيلال.. "الهامش" الذي يقود المتروبول الجهوي

​إذا كانت القراءة السطحية للحصيلة الإجمالية توحي بانتكاسة عامة، فإن التفكيك المجهري لنتائج المديريات الإقليمية الخمس المشكلة للجهة يكشف عن مفارقة سوسيو-تربوية صارخة؛ إذ نجحت مديرية أزيلال – برغم قساوة تضاريسها الجبلية وعزلة مسالكها القروية – في التغريد خارج السرب، متبوئة الصدارة الجهوية بنسبة نجاح بلغت 75.16% بمرحلتيها العادية والاستدراكية.

​هذا التميز لإقليم أزيلال يقدم درساً بليغاً في نجاعة التعبئة الميدانية المحلية، ويؤكد أن معادلة "المركز والهامش" ليست قدراً حتمياً للفشل الدراسي. وفي المقابل، يضع هذا التميز علامات استفهام كبرى حول الأداء التدبيري والتربوي في الحواضر الكبرى للجهة كبني ملال، وخريبكة، والفقيه بن صالح، والتي سحبت بمعدلاتها المتراجعة النسبة العامة للجهة إلى القاع.

​التميز الفردي.. ومضات باهرة في حقل من الإكراهات البنيوية

​لا يمكن للغة الأرقام الصماء أن تحجب ومضات الضوء والكفاءة التي تزخر بها دكّات البدائع في الجهة؛ إذ تبرز التلميذة "أسماء الحمامي" كأيقونة للتفوق عبر تربعها على عرش البكالوريا جهوياً بمعدل استثنائي بلغ 19.50/20، ينضاف إليها 7,843 ناجحاً وناجحة تمكنوا من خطف ميزات التميز (حسن جداً، حسن، ومستحسن)، بنسبة تقارب 41% من إجمالي الناجحين بالجهة البالغ عددهم 19,045 تلميذاً وتلميذة.

​غير أن هذا التألق النخبوي، بحسب خبراء تربويين، يظل بمثابة "الشجرة التي تخفي غابة الإكراهات البنيوية". فالجهة تئن تحت وطأة تفاوتات مجالية حادة، وهشاشة اقتصادية تنعكس مباشرة على استقرار الأسر، مسببةً بؤراً للهدر المدرسي وضعف الدعم المدرسي الاستباقي في المراحل الإشهادية، فضلاً عن الحاجة الملحّة لإعادة النظر في هندسة الخريطة المدرسية الإقليمية وتوزيع الموارد اللوجستيكية والبشرية.

​من صدمة "المركز الأخير" إلى "مخطط مارشال" تعليمي جهوي

​إن حلول جهة بني ملال-خنيفرة في المركز الثاني عشر والأخير وطعنها في كبرياء المؤشرات التعليمية بالمنطقة، لا يجب أن يُتعامل معه ككبوة عابرة تُطوى بانتهاء الموسم، بل كـ"صدمة كهربائية" ضرورية لخلخلة اليقينيات السائدة وتغيير مناهج التسيير التقليدية.

​إن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، بمعية شركائها من مجالس منتخبة ومجتمع مدني، مدعوة اليوم لصياغة "مخطط استعجالي جهوي" ينفذ إلى عمق الإشكالية: عبر مواكبة وتتبع المؤسسات التعليمية ذات الأداء المنخفض، وتعميم قصة نجاح نموذج أزيلال، وتوفير بيئة رعاية اجتماعية حاضنة لتلاميذ العالم القروي لضمان الاستمرارية البيداغوجية.

​تستحق جهة بني ملال-خنيفرة، بذكاء وتضحيات تلاميذها ورجالاتها، مكاناً أرفع يليق بها في قاطرة التنمية البشرية الوطنية؛ والإجابة عن معضلة "المرتبة الأخيرة" تبدأ دوماً بامتلاك جرأة الاعتراف بالاختلال، وتنتهي بتحمل مسؤولية التغيير الجذري على أرض الواقع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق