نخب الجهة : من "كرم الأعيان" إلى "أشباح الصناديق"
بقلم: ٠محمد المخطاري
بين الأمس واليوم، تبدو المسافة السياسية في جهة بني ملال خنيفرة أبعد بكثير من مجرد تعاقب أجيال أو تغير وجوه؛ إنها مسافة تفصل بين زمنين طبع الأول منهما رجالات جعلوا من العمل السياسي امتداداً لقيم الشهامة والرزانة والارتباط الوثيق بالتراب، وزمنٍ ثانٍ بات يعاني من تصحر سياسي وجفاء إنساني، تحولت فيه العلاقة بين المنتخب ومحيطه إلى مجرد صفقات موسمية عابرة.
حين يستحضر أبناء الدير والجبل القامات الوازنة التي ما زالت تشهد على العصر الذهبي للممارسة السياسية بالجهة، يستحضرون معها مفهوماً نبيلاً للوساطة والمسؤولية. رجالات من طينة السيد الحبيب المالكي والسيد خلا السعيدي، والسيد حسن الماعوني، والسيد أمين الدمناتي، والسيد المشهوري الذي ارتبط اسمه بالطفرة التنموية والوعي المسؤول في إقليم بني ملال ومدينة القصيبة. لم تكن السياسة عند هؤلاء الأفاضل – أطال الله في أعمارهم ومتعهم بموفور الصحة – مجرد ترف أو مقعد عابر، بل كانت التزاماً أخلاقياً، وكانت بيوتهم في العاصمة الرباط مفتوحة لكل قاصد من أبناء الجهة، يجدون فيها المأوى، والوساطة الشريفة، والسند؛ لأن "البلاد" كانت هي الأصل، وهي المبتدأ والمنتهى.
في المقابل، يقف المشهد اليوم شاهداً على تحول دراماتيكي مقلق. لقد تراجعت تلك النخب الوازنة لتفسح المجال لبعض الكائنات الانتخابية يوصف أصحابها بـ"الأشباح". وجوه لا تولّي قِبلتها شطر المنطقة إلا مع هبوب رياح الانتخابات، حاملةً وعوداً موسمية سرعان ما تتبخر بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، ليعود "المنتخب الكبير" إلى برجه العاجي خلف هواتف مغلقة وأبواب موصدة، دون أدنى خجل من ساكنة وثقت به.
ولعل أخطر ما أفرزته هذه التحولات، هو تلك "الهندسة المعيبة" للعملية الانتخابية التي ينهجها هؤلاء الأشباح مخافة مواجهة الناخبين ومحاسبتهم المشروعة. لقد اهتدوا إلى استراتيجية بئيسة لـ"اختصار الطريق"، عبر حصر "كرمهم" وجيوبهم في جلسات مغلقة لاستمالة بعض رؤساء الجماعات الترابية الضعاف. هؤلاء الرؤساء الذين تحول الكثير منهم – للأسف – إلى "وسطاء وسماسرة" خانوا الأمانة والشرعية التي زكّتهم الساكنة من أجلها، ليتحولوا إلى خط دفاع يحمي البرلماني أو المسؤول من غضبة الشعب، ويضمنون له خلايا انتخابية جاهزة للتعبئة.
إنها عملية "خصخصة" فجة للعمل السياسي؛ أفرغت المجالس الجماعية من دورها التنموي المفترض، وأعدمت مبدأ المحاسبة، وجعلت المواطن البسيط معزولاً وراء جدار سميك من الوساطة الريعية الانتهازية.
إن جهة بني ملال خنيفرة، وهي تجتاز منعرجاً تنموياً حاسماً يفرض مواجهة معضلات اقتصادية و اجتماعية ، لم تعد تحتمل نخب المناسبات ولا سماسرة الهوامش. إنها في أمس الحاجة اليوم إلى رجة وعي تقطع مع "أشباح الصناديق"، وتستلهم من جيل الأمس وعطائه الحي قيم الأنفة والغيرة الحقيقية، لتصيغ بها نُخباً جديدة تملك كفاءة العصر وغيرة الماضي، وتؤمن بأن المسؤولية تعاقد مباشر مع المواطن، وليست صفقة تُبرم خلف الأبواب المغلقة مع وسطاء خانوا العهد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق