تفكيك "السيستم".. من محاكمة الأفراد إلى تحرير القرار المحلي
بقلم: محمد المخطاري
كاتب رأي – أطلس 24
أحدثت الأحكام القضائية الثقيلة التي طالت بعض الأسماء البارزة في تدبير الشأن العام بالمغرب ارتياحًا واسعًا لدى فئات من الرأي العام، باعتبارها مؤشرًا على جدية الدولة في مواجهة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي محاكمة الأشخاص لإنهاء منظومة أنتجتهم واستفادت من وجودهم لعقود؟
في تقديري، الجواب هو لا.
فإرسال "الإمبراطور" إلى السجن لا يعني بالضرورة سقوط "الإمبراطورية". فحين يتم التركيز على معاقبة الأفراد مع الإبقاء على الشروط السياسية والاقتصادية والإدارية التي سمحت لهم بالتمدد، فإننا نكون أمام معالجة جزئية لمشكل بنيوي عميق. وكما أن قطع أغصان شجرة فاسدة لا يؤدي إلى موتها ما دامت جذورها ممتدة في التربة، فإن إسقاط بعض الوجوه لن يمنع ظهور وجوه جديدة إذا بقيت قواعد اللعبة على حالها.
ما نشهده في عدد من الأقاليم والجهات، ومنها بني ملال والفقيه بنصالح، يؤكد أن الإشكال لا يتعلق بأشخاص معزولين بقدر ما يتعلق بمنظومة متكاملة من المصالح والعلاقات وآليات النفوذ. إنها منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى بعد سقوط بعض رموزها، لأنها لم تُبنَ على الأفراد وحدهم، بل على شبكة من التوازنات والمصالح المتشابكة.
وتقوم هذه المنظومة، في الغالب، على ثلاثة مرتكزات أساسية.
أولها وجود ما يمكن تسميته بخلايا الصف الثاني، وهي شبكة من المقربين والوسطاء والمنتفعين الذين يتقدمون إلى الواجهة عند سقوط القيادات التقليدية. هؤلاء لا يغيرون طريقة التدبير، بل يواصلونها بأدوات أكثر حذرًا وأقل صخبًا، مستفيدين من الخبرة المتراكمة ومن العلاقات التي نسجتها المنظومة عبر سنوات طويلة.
أما المرتكز الثاني فيتمثل في التداخل الخطير بين المال العقاري والقرار السياسي. فالعقار أصبح في كثير من المناطق مصدرًا ضخمًا للثروة والنفوذ، ما يجعل التحكم في القرارات المتعلقة بالتعمير والتهيئة العمرانية هدفًا استراتيجيًا لشبكات المصالح. لذلك لا يحتاج أصحاب النفوذ الاقتصادي دائمًا إلى الترشح للانتخابات؛ يكفيهم دعم واجهات سياسية قادرة على حماية مصالحهم من داخل المؤسسات المنتخبة، وتوجيه القرارات العمومية بما يخدم مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة.
أما المرتكز الثالث فهو استمرار الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. فالفقر والبطالة وضعف التأطير السياسي تجعل فئات واسعة من المواطنين عرضة لمنطق الزبونية وشراء الولاءات، وهو ما يحول الاستحقاقات الانتخابية أحيانًا من منافسة بين البرامج والرؤى إلى منافسة بين شبكات النفوذ والقدرات المال

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق