الرباط – خاص
في خطوة تكشف خبايا الأحداث الأخيرة التي هزت محيط مدينتي سبتة ومليلية، خرجت وزارة الداخلية المغربية برواية رسمية دقيقة وشاملة، مفندة الشائعات ومسلطة الضوء على الأسباب الحقيقية والتدابير الميدانية التي رافقت موجات الهجرة غير النظامية غير المسبوقة التي شهدتها المنطقة مؤخراً.
وفي تصريح رسمي، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، السيد رشيد الخلفي، أن ما جرى لم يكن وليد الصدفة أو عوامل ظرفية عابرة، بل جاء نتيجة تفاعل معقد لعدة عوامل متداخلة؛ في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة استهدفت الإيهام بسهولة الولوج إلى الفضاء الأوروبي دون تبعات قانونية، فضلاً عن تورط عصابات الإتجار بالبشر في تأجيج الوضع.
وهْم الإعادة الفورية و"سحر" السباحة نحو المجهول
لفت التصريح الانتباه إلى عامل رئيسي ساهم في توجيه دفة هذه المحاولات نحو نمط أوحد، وهو قراءة وتأويل قرارات السلطات القضائية الإسبانية الأخيرة بشكل مغلوط. تلك القرارات، المتعلقة بتقييد إمكانية تطبيق إجراء "الإعادة الفورية" على بعض المهاجرين المعترضين في عرض البحر، جرى تحريفها وترويجها رقمياً لتوحي بأن العبور سباحة يوفر فرصة مضمونة للإفلات من الإعادة.
هذا الاعتقاد الخاطئ دفع بالمئات إلى المجامرة بأرواحهم متجاهلين الواقع الجغرافي والميداني. وأشار المسؤول إلى أن قصر المسافة الفاصلة (التي تقل عن سبعين متراً) ومحدودية عمقها في بعض النقط (أكثر بقليل من مترين)، خلقا شعوراً مضللاً بسهولة العبور، ما أفضى إلى نتائج مأساوية تمثلت في تسجيل حالة وفاة عرضية إثر السقوط من منطقة صخرية، إلى جانب عشر حالات وفاة غرقاً. وبخصوص الأرقام المتداولة حول حالات وفاة أخرى، أكد المسؤول أن التنسيق جارٍ مع السلطات الإسبانية للتحقق من صحتها وتحديد الهويات بدقة.
أرقام صادمة ومقاربة أمنية وإنسانية متزنة
على صعيد الأرقام والمعطيات الإحصائية المستندة إلى منظومات دقيقة للمراقبة الميدانية، كشفت وزارة الداخلية عن تسجيل نحو 40 ألف شخص في اتجاه مدينة سبتة، ونحو 1135 شخصاً في اتجاه مدينة مليلية، حيث تمت إعادة جميع من وصلوا إلى مليلية في حينهم.
وفي مواجهة هذا الضغط البشري الهائل، أوضح السيد رشيد الخلفي أن السلطات العمومية بادرت منذ اللحظات الأولى إلى تفعيل مقاربة استباقية وشمولية. وارتكزت هذه المقاربة على الرصد المبكر، والرفع من درجات اليقظة، وتكثيف المراقبة البرية والبحرية، بما ضمن حماية الأرواح وصون النظام العام مع التقيد الصارم بالقانون ومبدأ التناسب في التدخل.
عودة التدريج إلى المنطقة وملاحقة المتورطين
بالموازاة مع العمليات الميدانية وضبط الحدود، حرصت السلطات على تسهيل عودة الأشخاص الراغبين في الرجوع إلى ديارهم بمحض إرادتهم، وذلك عبر فتح المعابر بالتنسيق مع الجانب الإسباني، وهو ما ساهم في إعادة الأمور إلى نصابها وتهدئة الأوضاع تدريجياً.
وعلى المستوى القضائي، دخلت النيابة العامة على الخط، حيث باشرت أبحاثاً قضائية معمقة لكشف كافة الملابسات وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية بحق المتورطين في هذه الأفعال.
المغرب.. شريك موثوق والتزام راسخ بالمسؤولية المشتركة
ختم الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية تصريحه بالتأكيد على ثوابت السياسة المغربية في تدبير ظاهرة الهجرة؛ مبرزاً أن المقاربة الشاملة القائمة على المسؤولية المشتركة والتضامن الفعلي تظل الإطار الأوحد الفعال. وأكد أن المملكة ستظل، كما أثبتت دائماً، شريكاً موثوقاً ومسؤولاً في مكافحة الهجرة غير النظامية والشبكات الإجرامية للاتجار بالبشر، دون أن تتخلى عن واجبها السيادي في حماية أمن حدودها والنظام العام واحترام القوانين الوطنية والدولية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق