حرب الخوارزميات.. كيف وظّفت شبكات التواصل الاجتماعي ومفاهيم (OSINT) لاختراق حدود سبتة؟




​في المشهد الجيوسياسي المعاصر، لم يعد تدفق المهاجرين وغير النظاميين ظاهرة مرتبطة حصراً بعوامل الفقر والأزمات الاقتصادية التقليدية، بل تحول في أبعاده الحديثة إلى "هندسة رقمية" تقودها شبكات سرية وتديرها خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي.

​وفي هذا السياق، كشف تقرير استخباراتي موسع أعده الخبير الإسباني المتخصص في شؤون الأمن والاستخبارات، تشيما خيل، عن كواليس وخلفيات محاولات الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة المحتلة، مسلطاً الضوء على دور الحرب السيبرانية والتعبئة الرقمية المنظمة في توجيه وتحريك الحشود البشرية نحو الحدود.

​خريطة التحريض الرقمي: شبكات عابرة للحدود وأرقام "213+"

​استند التقرير، الذي يقع في نحو 70 صفحة واعتمد على تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) واستخبارات وسائل التواصل الاجتماعي، إلى رصد دقيق جرى توثيقه بين شهري يونيو وأغسطس.

​وقد أظهرت المعطيات أن عمليات التعبئة لم تكن عفوية، بل جاءت وليدة منظومة رقمية معقدة ضمّت حسابات وصفحات تنشط عبر منصات:

​تيك توك وإنستغرام لنشر المقاطع التحريضية السريعة والقصص الموجهة للشباب والقاصرين.

​فيسبوك وإكس (تويتر سابقاً) لتنسيق الدعاية وتداول إشاعات "العبور الآمن".

​مجموعات واتساب وتليغرام المغلقة التي شكلت غرف عمليات لإعطاء الإرشادات اللوجستية وتحديد نقاط التجمع ومسارات العبور.

​ولفت المحققون الانتباه إلى بروز وازن لحسابات وأرقام هاتفية تحمل المفتاح الدولي الجزائري (+213)، إلى جانب أطراف فاعلة تتوزع جغرافياً بين المغرب وتونس وفرنسا والولايات المتحدة، مما يؤكد الطبيعة العابرة للحدود لهذه الشبكات الإجرامية المتخصصة في الاتجار بالبشر.

​استغلال الثغرات القانونية والقضائية

​واحدة من أخطر الخلاصات التي وقف عندها تقرير "تشيما خيل" هي التوقيت الميداني والسياسي للتصعيد الرقمي؛ إذ تزامن النشاط المكثف لتلك الشبكات مع النشر العلني لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، والذي قضى بعدم جواز الإرجاع السريع للمهاجرين الذين يتمكنون من دخول سبتة عن طريق البحر.

​استغلت مافيات الهجرة غير النظامية هذا القرار القضائي بدهاء شديد، وقامت بتحويره وتوظيفه عبر الحملات الرقمية للترويج لـ "وهم الفرصة الذهبية" والأبواب المفتوحة، مستهدفة الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما القاصرين والشباب، لدفعهم نحو مغامرة محفوفة بالمخاطر الأمنية والقانونية.

​خاتمة: نحو مقاربة أمنية رقمية استباقية

​يؤكد هذا التقرير الاستخباراتي أن أمن الحدود لم يعد يحسم فقط في الميدان الجغرافي أو عبر الأسوار والتعزيزات الأمنية، بل يُدار ويُخترق اليوم من خلف شاشات الهواتف الذكية وعبر غرف الدردشة الافتراضية.

​إن تفكيك شبكات التحريض العابرة للحدود، ومواجهة استغلال الخوارزميات في تأجيج الأزمات الإنسانية والسياسية، يفرض على الدول المعنية تطوير دبلوماسية وأمن سيبراني استباقي، قادر على رصد خيوط الجريمة المنظمة قبل أن تتحول إلى كتل بشرية تتدفق نحو الأسوار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق