من آلام المفاصل إلى منصة العالم.. قصة أسامة الرضواني مع البرونز العالمي




​لم تكن طريق أسامة الرضواني، ابن الثامنة عشرة، نحو العالمية معبدة بالورود، بل كانت سلسلة من المحطات والتحديات التي صقلت معدنه كبطل واعد. بدأت الحكاية من الألعاب المدرسية، حيث كان يمثل إحدى المؤسسات التعليمية بـ الجماعة الترابية أحد بموسى، ليسترعي الانتباه بموهبته الفطرية.

​ومن الرياضة المدرسية، انتقل أسامة إلى صفوف أحد الأندية الفتية بـ إقليم الفقيه بن صالح (برادية)، وهو نادي بني عمير لألعاب القوى الذي يترأسه الإعلامي محمد المخطاري. وهناك، وبإمكانيات ذاتية ومحدودة، حرص النادي على توفير أسباب المشاركة في كافة برامج عصبة تادلة أزيلال والجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى. ومع التطور الملفت لأسامة وزملائه، حانت اللحظة الحاسمـة بالتحاقه بـ مركز بن كرير لألعاب القوى ليصقل موهبته ويتحول إلى رقم صعب في الساحة الوطنية؛ حيث توج بطلاً للمغرب في العدو الريفي وفي الحلبة، قبل أن يسطع نجمه عربياً وإقليمياً محرزاً الميدالية الفضية في الألعاب الأفريقية في مسافة 5000 متر.

​لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن؛ إذ تعرض السيد أسامة لإصابة حادة في المفاصل غيبته عن نهاية الموسم، وبات يواجه معركة مختلفة تماماً عن تلك التي خاضها فوق المضمار. آلام حادة وأطباء ومحاولات علاج متكررة، دون نتيجة تعيد إليه عافيته أو تضع حداً لمعاناته، ليبقى مستقبله المعلق لعدة أشهر.

​غير أن قصة أسامة لم تكن لتتوقف عند حدود الألم.

​ففي مارس الماضي، وقبل نحو خمسة أشهر فقط من انطلاق بطولة العالم لأقل من 20 سنة، اختار الطاقم المشرف اللجوء إلى الدكتور بنسعيد بمدينة مكناس، المتخصص في جراحة العظام والمفاصل. وبعد تشخيص دقيق، تم التوصل إلى العلاج الذي أعاد للبطل الأمل في استعادة عافيته والعودة إلى الميدان.

​لم تكن العودة سهلة، لكن أسامة واصل العمل تدريجياً خلال فترة العلاج عبر تمارين خفيفة وصالة الرياضة وحصص السباحة، بفضل الدعم المباشر من مديرة مركز بنسليمان لألعاب القوى، التي هيأت الظروف المثالية للاشتغال. وفي ظل ضيق الوقت، وضع المدرب كريم آيت الحاج برنامجاً تحضيرياً مكثفاً وسريعاً لإعادة العداء لمستواه. ولم يكن الرهان سهلاً: استعادة اللياقة، ثم البحث عن التوقيت المؤهل إلى بطولة العالم في سباق 5000 متر وليس 1500 متر.

​وبعد محاولات عدة للبحث عن ملتقيات داخل المغرب وخارجه للظفر بالتوقيت المطلوب، حانت الفرصة في ملتقى محمد السادس لألعاب القوى (الدوري الماسي) بنهاية شهر مايو. شارك أسامة في سباق 1500 متر ونجح في تحقيق التوقيت المؤهل، رغم أن مسافة 5000 متر لم تكن مدرجة. ورغم تسجيله لاحقاً لتوقيت ممتاز في سباق 3000 متر بكأس العرش (7 دقائق و59 ثانية)، إلا أن عدم إدراج هذه المسافة في برنامج الاتحاد الدولي جعل مسافة 1500 متر هي البوابة غير المتوقعة نحو المجد.

​وفي بطولة العالم لأقل من 20 سنة بأوريغون، دخل الرضواني سباق 1500 متر وكتب الفصل الأهم في قصته؛ حيث أنهى السباق في المركز الثالث بتوقيت (3:39.68)، محرزاً الميدالية البرونزية العالمية.

​إن هذا التتويج، وكما يؤكد مدربه كريم آيت الحاج، هو ثمرة مشروع متكامل يشتغل عليه مع مجموعة من العدائين الشباب، من بينهم "بوشجدة" بطل العالم في 800 متر، و"البوزيدي" صاحبة المركز العاشر عالمياً.

​من رفوف الرياضة المدرسية بأحد بموسى، مروراً بـ بني عمير وبن كرير، وصولاً إلى منصة التتويج العالمية بأوريغون؛ تثبت قصة أسامة الرضواني أن الجيل المغربي الجديد يملك من العزيمة ما يجعله قادراً على كتابة التاريخ متى ما توفرت له الرعاية والدعم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق