فاطمة الزهراء سلوان /متدربة
تنتصب تشكيلات صخرية شامخة وسط جبال الأطلس الكبير المهيبة، على بعد كيلومترات قليلة من مركز إمسفران بإقليم أزيلال، لتشكل لوحة طبيعية استثنائية تُعرف لدى الزوار باسم "كاتيدرال إمسفران". وقد أضحى هذا الموقع الفريد، الممتد على مساحة 399 كيلومتراً مربعاً ضمن منطقة "تامغا" الغابوية التابعة ترابياً للجماعة القروية تيلوكيت، إحدى أبرز الوجهات السياحية الجبلية التي تستقطب الباحثين عن الهدوء والهاربين من صخب الحواضر الكبرى ولفحات الحر القائظ. وتعود تسمية هذه المعلمة الطبيعية بـ"الكاتيدرال" إلى فترة الاستعمار الفرنسي نظراً لشكلها الهندسي الشبيه بالكاتدرائيات، في حين ترتبط تسميتها بـ"إمسفران" بنسبةٍ إلى أحد الجبال الشاهقة المحيطة بالمنطقة.
وفور بلوغ الموقع، تتبدى للزائر كتل صخرية عملاقة تحاكي حصناً منيعاً نحتته الطبيعة عبر السنين، تحيط به مساحات خضراء شاسعة ومجارٍ مائية دافقة تضفي على المكان سحراً خاصاً وتمنح الوافدين ملاذاً ممتعاً ينأى بهم عن ضغوط الحياة اليومية. ومع اقتراب فصل الصيف واشتداد القيظ، يزداد توافد السياح على المنطقة بشكل ملحوظ، ولا سيما خلال عطلات نهاية الأسبوع؛ إذ لم يعد إشعاع الموقع حكراً على جهة بني ملال-خنيفرة، بل تحول إلى قبلة مفضلة لعشاق التخييم، والمغامرات، والباحثين عن الاسترخاء من مختلف ربوع المملكة ومن خارجها. كما تحولت المنطقة إلى محطة نموذجية لهواة التصوير الفوتوغرافي وصناع المحتوى، بفضل التموجات اللونية الساحرة للصخور التي تتغير مع تعاقب أشعة الشمس على مدار اليوم.
وقد عبر عدد من الزوار عن انطباعاتهم الإيجابية تجاه سحر هذه الوجهة؛ حيث أكد محمد، القادم من مدينة الدار البيضاء، أن زيارته للموقع شكلت فرصة مواتية لاكتشاف طبيعة بكر وأجواء مفعمة بالسكينة يصعب العثور عليها في المدن الكبرى. ومن جهتها، أببرزت سارة، التي زارت المنطقة رفقة أسرتها قادمة من مراكش، إعجابها الكبير بالطقس المعتدل والفضاءات الطبيعية المتنوعة المتاحة للتنزه والتخييم. وفي السياق ذاته، أشار ياسين، وهو شاب من مدينة فاس يواظب على زيارة المنطقة رفقة أصدقائه، إلى أن "كاتيدرال إمسفران" أصبحت وجهة رئيسية ولا محيد عنها للشباب الشغوفين بالسياحة الطبيعية والمشي الجبلي واستكشاف المسالك الملتوية التي تتيح إطلالات بانورامية ساحرة على المرتفعات.
وفي هذا الصدد، يرى فاعلون محليون أن الإقبال المتنامي على المنطقة يترجم بجلاء التميز النوعي للمؤهلات البيئية التي تزخر بها، في وقت يشهد فيه قطاع السياحة الإيكولوجية والجبلية انتعاشة ملحوظة على صعيد الجهة. ورغم الشهرة المتزايدة التي تكتسبها المعلمة، فإنها لا تزال تحتفظ بطابعها العذري الهادئ والبسيط، وهو ما يمثل ركيزة جاذبيتها الأساسية لمن ينشدون تجارب سياحية بديلة بعيداً عن الوجهات الكلاسيكية المستهلكة. ومع حلول المساء، وانعكاس آخر خيوط الشمس على الجدران الصخرية العملاقة، تتحول "كاتيدرال إمسفران" إلى لوحة فنية حية تختزل غنى الثروات الطبيعية لإقليم أزيلال، مما يفتح آفاقاً واعدة لتثمين هذه المؤهلات وجعلها دعامة أساسية للتنمية المستدامة والإنعاش الاقتصادي بالمنطقة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق