معركة تطهير الحقل الإعلامي: عندما يحجب "التأويل النقابي" حقيقة "التطفل" بالجهة




​بقلم:  محمد المخطاري

​أثار البيان الاستنكاري الأخير للفيدرالية المغربية لناشري الصحف بجهة بني ملال خنيفرة زوبعة من القراءات والردود الصادرة عن إطارات نقابية زميلة. وهي ردود، وإن كنا نتقاطع مع مصدريها في الكثير من قضايا الترافع المجتمعي والدفاع عن كرامة الشغيلة، إلا أنها جانبت الصواب بشكل قطعي، وحمّلت النص ما لم يقله، بل وذهبت بعيداً في تأويل عبارات واضحة ركزت بالأساس على "تطهير القطاع من منتحلي الصفة والمتطفلين".

​إن أولى خطوات التأسيس لنقاش مهني سليم تقتضي العودة إلى منطوق الوثيقة التشريعية الأساسية التي تؤطرنا جميعاً، ونقصد هنا مدونة الصحافة والنشر. فالمدونة واضحة في مقتضياتها، ولا تعترف خارج فصولها إلا بصفة "الصحفي المهني" المستوفي للشروط القانونية والأخلاقية والعلمية. ومن هذا المنطلق القانوني الصرف، لم يكن بيان الفيدرالية يوماً موجهاً ضد أي ممارسة إعلامية مسؤولة، بل كان صرخة ضد الفوضى العارمة والارتزاق وانتحال صفة ينظمها القانون.

​وهنا وجب التذكير بسياق تاريخي عشته شخصياً وعشناه جميعاً في هذه الجهة؛ فقد واكبنا لسنوات طوال أسماءً محترمة ولا زالت من المتعاونين مع منابر إعلامية وطنية، خاصة في الصحافة الورقية العريقة والإعلام السمعي، وكان أغلبهم من رجال التعليم الأجلاء وغيرهم. لقد أثرى هؤلاء المشهد الإعلامي بكتاباتهم ورصانتهم، لأنهم كانوا يملكون الحد الأدنى والضروري للممارسة المهنية من ثقافة واسعة، ولغة رصينة، والتزام أخلاقي صارم، والأهم من ذلك، أنهم لم يتجاوزوا يوماً حدود القانون ولم يستغلوا "الصفة" للارتزاق أو التشهير.

​فليس العيب أبداً في تواجد متعاونين في المجال الإعلامي ما دام هناك حاجة أو خصاص تشهده الجهة؛ بل إن هذا التواجد يشكل إضافة نوعية وإغناءً حقيقياً للمشهد، شريطة أن يكون مؤطراً قانونياً وأخلاقياً، وعلى قدر عالٍ من المسؤولية، بما يضمن حفظ كرامة الشخص المعني أولاً، وصون مصداقية ووقار المشهد الإعلامي ثانياً.

​أما اليوم، فإن الادعاء والاتهام بوجود "إرادة للتحكم في المشهد الإعلامي"، هو خطأ في العنوان لا يفهمه ولا يروج له إلا من يمد يده للاسترزاق والارتزاق البديل، عوض حمل رسالة الإعلام النبيلة والمسؤولة. إن هذا الصنف من الدخلاء، بسلوكه الانتهازي المشين، يسيء لسمعة ومصداقية الجميع، ويعمم وصمة "السلوك العشوائي" على الجسم الإعلامي بأكمله بالجهة، وهو ما لا يمكن قبوله أو السكوت عنه.

​إن هذه الفوضى يغذيها جزء كبير من المؤسسات والمقاولات الإعلامية الصادرة من خارج الجهة. هذه المنابر تعمد، مع الأسف، إلى توزيع "اعتمادات" و"تكليفات" وتفويضات لأشخاص يمثلونها داخل نفوذ الجهة، دون التأكد من توفرهم على الحد الأدنى من الشروط العلمية أو الأخلاقية أو الأهلية للممارسة المهنية، ودون أدنى مراعاة للمنظومة القانونية الوطنية.

​إن هذا الوضع يضع الإطارات النقابية والمهنية الجادة أمام مسؤولية تاريخية مشتركة تستدعي التنسيق واليقظة في التعاطي مع هذا الملف؛ فالعمل النقابي النبيل يرتكز بالأساس على صون المهنة وتحصينها، ممّا يتطلب فرزاً دقيقاً يمنع استغلال شعارات الدفاع عن الشغيلة من طرف أشخاص لا تتوفر فيهم أدنى شروط الممارسة القانونية والأخلاقية، تفادياً للخلط الذي قد يسيء، عن غير قصد، للمشروعية الترافعية للنقابات نفسها وللأهداف المشتركة التي تجمعنا.

​ومن هذا المنطلق، فإننا نجدد الدعوة الصادقة لفتح قنوات الحوار والتعاون الوثيق مع مختلف الإطارات النقابية الزميلة، وعلى رأسها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، هذا الإطار العتيد الذي نعتبره دوماً شريكاً أساسياً واستراتيجياً في الدفاع عن المقاولات الإعلامية والصحفيين المهنيين على حد سواء. إن تكامل الجهود بين الناشرين والنقابة الوطنية هو السبيل الكفيل بوضع القطاع في سكته الصحيحة، وفرز الغث من السمين، صوناً لنبل الرسالة الإعلامية بجهتنا في إطار الاحترام الصارم للقانون.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق