ليس كل المشهد السياسي أشباحا... قراءة أخرى في واقع جهة بني ملال خنيفرة


 بقلم : الدكتور عبد الكريم جلال 

أثار المقال الذي تناول واقع الممارسة السياسية بجهة بني ملال خنيفرة، وما رافقه من حديث عن "أشباح الانتخابات" و"سماسرة السياسة"، نقاشا واسعا حول التحولات التي عرفتها الجهة خلال العقود الأخيرة. ورغم وجاهة جزء من الانتقادات الموجهة لبعض الممارسات التي أسهمت في إضعاف ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن المشهد السياسي بالجهة لا يمكن اختزاله في صور قاتمة أو في سلوكات موسمية معزولة، لأن ذاكرة المنطقة ما تزال تحتفظ برجال جعلوا من العمل العام رسالة، ومن التنمية مشروعا ممتدا في الزمان والمكان.

لقد عرفت جهة بني ملال خنيفرة، على امتداد سنوات طويلة، رجالات طبعوا الحياة السياسية والإدارية بكثير من الجدية والمسؤولية، وجعلوا من خدمة المواطن أولوية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة. ولم تكن السياسة بالنسبة إلى هؤلاء مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب، بل التزاما أخلاقيا يقوم على القرب من الساكنة والدفاع عن مصالحها، في وقت كانت فيه بيوت المسؤولين مفتوحة لأبناء الجهة، وكانت الوساطة تمارس باعتبارها واجبا اجتماعيا لا امتيازا شخصيا.

وإذا كان المشهد السياسي الراهن قد أفرز، بلا شك، بعض الممارسات التي تقوم على منطق المناسبات الانتخابية والوعود العابرة، فإن ذلك لا ينبغي أن يحجب نماذج أخرى اختارت العمل بصمت، وربطت المسؤولية العمومية بالفعل التنموي الملموس. ومن بين هذه الأسماء، يبرز السيد صالح حمزاوي، الذي راكم تجربة غنية في تدبير الشأن العام، سواء من خلال توليه رئاسة جهة تادلة أزيلال لولايتين متتاليتين، أو عبر تحمله مسؤولية الخازن العام للمملكة، فضلا عن رئاسته لجمعية أحمد الحنصالي للتنمية، الجمعية الوحيدة بجهة بني ملال خنيفرة الحاصلة على صفة المنفعة العامة.

وللإنصاف كذلك، لا بد من التذكير بأن مجلس جهة تادلة أزيلال، ورغم محدودية موارد، فقد ترك وراءه إرثا من المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي أسهمت في تغيير ملامح الجهة ووضع أسس تنميتها المستقبلية. فقد شهدت تلك المرحلة إطلاق عدد من الأوراش المهيكلة، من قبيل الطريقالسيار، والمطار، وإحداث المنطقة الصناعية بأولاد امبارك، إلى جانب مشاريع أخرى راهنت على تعزيز جاذبية الجهة وخلق شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولم تكن هذه المشاريع ثمرة تدبير ظرفي أو حسابات انتخابية ضيقة، بل جاءت نتيجة رؤية استشرافية آمنت بأن التنمية الحقيقية تبنى على المدى البعيد، وأن أثر المسؤول لا يقاس فقط بما ينجزه خلال ولاية انتخابية، وإنما بما يتركه للأجيال المقبلة من مشاريع وفرص وآفاق.

وفي السياق ذاته، واصلت جمعية أحمد الحنصالي للتنمية، تحت رئاسة السيد صالح حمزاوي، انخراطها في خدمة التنمية المحلية من خلال مبادرات عملية ذات أثر مباشر على حياة المواطنين. ففي إطار شراكة تجمع بين الجمعية ومجلس جهة بني ملال خنيفرة والمديرية الجهوية للصحة والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات ببني ملال، تم تشغيل 125 ممرضا وممرضة، و25 طبيبا وطبيبة، في خطوة تعكس إيمانا راسخا بأهمية الاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز الخدمات الصحية بالجهة.

كما امتد هذا الرهان إلى قطاع التكوين والرقمنة، عبر إحداث المدرسة الرقمية بشراكة مع مجلس جهة بني ملال خنيفرة واللجنة الإقليمية للتنمية البشرية ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة. وقد استهدفت هذه المبادرة تكوين شباب الجهة في مجالات المعلوميات والتكنولوجيا الحديثة، وتأهيلهم لولوج سوق الشغل، بما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الرقمي.

وقد أثمرت هذه التجربة إدماج أكثر من 80 شابة وشابا في سوق العمل، فضلا عن تحقيق إشعاع وطني للجهة بعد تتويج مروان بونو، أحد طلبة المدرسة الرقمية، بالجائزة الوطنية الأولى في المسابقة التي نظمتها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة بمدينة مرزوكة، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى جانب فوزه بالجائزة الجهوية، في إنجاز يعكس الإمكانات الكبيرة التي يزخر بها شباب المنطقة متى توفرت لهم شروط التكوين والمواكبة.

إن النقد البناء للمشهد السياسي يظل ضرورة لا غنى عنها لتصحيح الاختلالات وتعزيز ثقافة المحاسبة، غير أن هذا النقد يفقد كثيرا من موضوعيته حين يتجاهل التجارب الجادة والمبادرات التي ما تزال تؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تصنع بالشعارات، بل بالعمل الميداني وبالاستثمار في الإنسان.

إن جهة بني ملال خنيفرة، وهي تواجه اليوم تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تحتاج إلى نخب سياسية وإدارية تجمع بين حكمة الماضي ومتطلبات الحاضر، وتؤمن بأن المسؤولية ليست مجرد محطة انتخابية عابرة، بل عهد دائم مع المواطن والتاريخ. فالتاريخ لا يحتفظ بأسماء الذين اكتفوا بالظهور في مواسم الانتخابات، وإنما يخلد أولئك الذين تركوا أثرا حقيقيا في حياة الناس وأسهموا في بناء مستقبل الجهة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق