زلزال سياسي بجهة بني ملال-خنيفرة:
انكسار مد "الأحرار"، سطوة "البام"، وانتعاش التعددية الحزبية
بقلم / محمد المخطاري
أعادت الاستحقاقات التشريعية رسم الخريطة السياسية والانتخابية بجهة بني ملال-خنيفرة على نحو غير مسبوق، كاسرةً معادلات الهيمنة التي أفرزتها انتخابات 2021 وما تلاها من اقتراعات جزئية. وإذا كانت قراءة النتائج تتطلب تفكيك الأرقام والتمثيليات، فإن العنوان الأبرز للمشهد الجديد يكمن في ثلاثة تحولات مفصلية: تراجع دراماتيكي لحزب التجمع الوطني للأحرار في قلاعه التاريخية، وتكريس ميداني مطلق لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب صعود ديناميكي لحزب الاستقلال واتساع رقعة التعددية السياسية بعودة أطياف كانت خارج دائرة التأثير المحلي.
انكسار "حمامة" بني ملال وخريبكة: من القمة إلى الهامش
شكّل السقوط المدوي لحزب التجمع الوطني للأحرار في هذه المحطة الحدث الأكثر إثارة للنقاش السياسي. فالحزب الذي هيمن على المشهد النيابي للجهة عقب استحقاقات 2021 بحيازته ثمانية مقاعد، وجد نفسه يتقهقر إلى ثلاثة مقاعد فقط، محققاً أدنى حصيلة له بالمنطقة منذ سنوات.
ولم تكن الخسارة مجرد تراجع في المقاعد، بل تمثلت في فقدان مراكز ثقله الرمزية والانتخابية؛ ففي دائرة بني ملال، هوى مرشح الحزب السيد خالد المنصوري من صدارة كاسحة ناهزت 35 ألف صوت في 2021 إلى ما دون 4200 صوت، ليخرج الحزب خالي الوفاض في واحدة من أبرز مفاجآت الاقتراع. وتكرر السيناريو ذاته في دائرة خريبكة الفوسفاطية، حيث استقر الحزب سابعاً خارج دائرة المقاعد الستة. هذا التراجع الحاد يعكس تحولاً جذرياً في المزاج الانتخابي وعقاباً صامتاً من الكتلة الناخبة، في ظل تراكمات الأداء الحكومي والتدبيري.
"البام" يضبط إيقاع الجهة: ثبات تنظيمي وهيمنة شاملة
في المقابل، أكد حزب الأصالة والمعاصرة علو كعبه وجاهزية ماكينته الانتخابية بالجهة، محتفظاً بالصدارة بسبعة مقاعد. وتتجلى قوة "البام" السياسية في كونه التنظيم الوحيد الذي نجح في انتزاع مقعد نيابي في كافة الدوائر المحلية الست دون استثناء، من أزيلال إلى خريبكة وبني ملال وخنيفرة والفقيه بن صالح.
لقد برهن الحزب على قدرة فائقة في تدبير توازناته القبلية والمحلية وتقديم أسماء قادرة على حصد الكتل التصويتية الصلبة؛ فمن تصدر السيد حمان باحسين في خنيفرة بأزيد من 20 ألف صوت، إلى الحضور القوي للسيد بدر الدين ناجح فوزي في ابزو-واويزغت، والسيد أحمد فضلي في الفقيه بن صالح، والسيد هشام الصابري في بني ملال، يثبت "الجرار" أنه الرقم الصعب والشريان الانتخابي الأبرز بالجهة، مدعوماً بمقعد نسائي حسمته السيدة سارة أمحزون في الدائرة الجهوية.
"الاستقلال" و"الاتحاد الاشتراكي": استعادة المبادرة وتوسيع النفوذ
على ضفة المكتسبات، سطع نجم حزب الاستقلال كقوة وازنة حلت وصيفة بـ 6 مقاعد، مدفوعة باختراق استراتيجي وتاريخي في دائرة بني ملال قادته السيدة مديحة خيير التي تصدرت نتائج الدائرة بـ 21 ألفاً و384 صوتاً، مؤكدة نجاح الرهان على الأطر النسائية في النزال المحلي المباشر. كما ثبّت الحزب تواجده التاريخي عبر السيد صالح أوغبال في خنيفرة والسيد عبد العالي بروكي في أزيلال-دمنات والسيد رحال المكاوي في الفقيه بن صالح، ليعزز تموقعه كفاعل لا غنى عنه في معادلات المنطقة.
بدوره، خرج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رابحاً ومثبتاً أقدامه بـ 5 مقاعد، متقدماً بمقعد إضافي عن حصيلة 2021؛ إذ نجح الحزب في استثمار الفراغ الذي خلفه تراجع الأحرار في عدة مناطق، مسجلاً حضوراً متوازناً عبر السيد فاضل براس في بني ملال، والسيد الشرقاوي الزنايدي في الفقيه بن صالح، والسيد محمد شوقي في ابزو-واويزغت، إضافة إلى مقعدين في خريبكة واللائحة الجهوية عبر السيدة فاطمة الزهراء بوجنان.
انفراج المشهد: عودة "البيجيدي" وصعود قوى اليسار والوسط
أتاح انحسار الهيمنة الأحادية فرصة سانحة لعودة التعددية البرلمانية؛ حيث تمكن حزب العدالة والتنمية من العودة إلى التمثيلية النيابية المحلية بانتزاع مقعدين محليين في بني ملال (عبر السيد محمد لبراديا غازي) وخريبكة، بالإضافة إلى مقعد جهوي للسيدة فوزية القرفاد، مستفيداً من تصويت سياسي واستقطاب لكتل كانت غاضبة أو عازفة في 2021.
كما سجّل المشهد دخولاً لافتاً لتحالف اليسار عبر السيد رشيد مشيش الذي ظفر بمقعد في بني ملال معلناً عودة صوت اليسار الجذري إلى قبة البرلمان عن الإقليم، في حين حقق حزب الاتحاد الدستوري مكسباً نوعياً بانتزاع مقعدين محليين في كل من خريبكة ودائرة ابزو-واويزغت عبر السيد محمد أمين.
قراءة في الأفق السياسي
ترسم هذه التوليفة النيابية الجديدة مرحلة قطيعة مع القطبية السابقة التي أفرزتها استحقاقات 2021؛ فالناخب بالجهة لم يعد يمنح صكوكاً بيضاء، والخريطة الحالية باتت تتوزع على تسع هيئات سياسية، ما يمنح المشهد توازناً أكبر وحيوية برلمانية مرتقبة. إن تثبيت الأصالة والمعاصرة لزعامته، وصعود الاستقلال، وتماسك الاتحاد الاشتراكي، وعودة العدالة والتنمية، مقابل انحدار الأحرار، كلها مؤشرات تؤكد أن معركة التنمية والخدمات وتطلعات ساكنة الأطلس وسهول تادلة قد أعادت فرز النخب وفق منطق القرب والوفاء بالالتزامات لا وفق بريق الشعارات الانتخابية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق