رسالة صيفية من "البيضاء" عام 1973.. وثيقة نادرة تكشف الوجه الإنساني والتربوي للراحل عبد الله راجع




​الدار البيضاء – الصحافة الثقافية

​في زمنٍ كان فيه التعليم رسالة وجدانية قبل أن يكون وظيفة، تولد روابط إنسانية خارقة للزمن بين المعلم وتلاميذه. هذا ما تكشف عنه وثيقة تاريخية وأدبية نادرة حظيت باهتمام الأوساط الثقافية مؤخراً؛ وهي عبارة عن رسالة جوابية بخط يد الشاعر والناقد المغربي الراحل الكبير عبد الله راجع، كتبها في صيف عام 1973، وتكشف بوضوح عن الطينة الفريدة لجيل من العمالقة والمبدعين المغاربة.

​عطلة صيفية وذاكرة لا تغيب

​تكمن القيمة الاستثنائية للرسالة، المؤرخة في 23 يوليو 1973، في السياق الزمكاني الذي ولدت فيه. فبعد سنة دراسية حافلة بالبذل والعطاء في مدينة الفقيه بن صالح، حيث كان الراحل عبد الله راجع يمارس رسالته التربوية، شدّ الرحال إلى مسقطه بمدينة الدار البيضاء (البيضاء) لقضاء عطلته الصيفية.

​لكن، وبدل أن يغرق المبدع الشاب آنذاك في استراحه الصيف، ظل قلبه معلقاً بفصله الدراسي وبتلاميذه النجباء. وجاءت هذه الرسالة رداً على رسالة مفعمة بالحب والتقدير بعث بها تلميذه آنذاك، الأستاذ عبد الكريم نفذيابن مدينة الفقيه بن صالح ، الذي حرص مؤخراً على نشر هذه الجوهرة التوثيقية اعترافاً بفضل أستاذه.

​نثر شاعري يفيض بالمسؤولية

​بأسلوب نثري شاعري مرهف يسبق صدور ديوانه الشهير "الهجرة إلى المدن السفلى" (1976) ببضع سنوات، يعبر الراحل في رسالته عن الفرح الغامر الذي يعيشه بعد النجاح الساحق لتلاميذه، واصفاً إياه بـ:

​"فرح إنسان أدى مهمته على أكمل وجه".

​كما يتوقف بكثير من الشجن عند لحظة الفراق المؤلمة في نهاية السنة الدراسية، واصفاً فصله وتلاميذه بـ"عالمه الصغير" الذي تكون خلال سنة وحيدة من الذكريات الجميلة.

​الشاعر والإنسان: ترتيبات العودة

​ولم تخلُ الرسالة من تفاصيل عملية تؤكد عزم الشاعر الراحل على العودة واستئناف رسالته بنشاط أكبر، حيث ذيّل رسالته بملاحظة (P.S) يطلب فيها من تلميذه النفذي التنسيق مع بعض الأساتذة الزملاء في الفقيه بن صالح (الأساتذة بوصدق والعابدي أحمد) لإلحاحه على ترتيب كراء بيت له هناك مع حلول "أوائل سبتمبر" استعداداً للدخول المدرسي المقبل.

​إن نشر هذه الوثيقة اليوم لا يعد مجرد نبش في أرشيف شخصي، بل هو إضاءة حية على تاريخ التربية والتعليم بالمغرب، وشهادة وفاء تؤكد أن المبدع الحقيقي، كعبد الله راجع، لم يكن شاعراً كبيراً في كتبه ودواوينه الفذة فحسب، بل كان أولاً وقبل كل شيء.. إنساناً ومربياً عظيماً ترك أثراً لا يُمحى في نفوس تلامذته وفي ذاكرة الوطن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق