المحكمة الافريقية لحقوق الانسان والشعوب
ايوب غاندي باحث في سلك الدكتوراه في القانون الدولي جامعة القاضي عياض مراكش
تعد المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إحدى أبرز الآليات الإقليمية المصممة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان في القارة السمراء، حيث جاء إنشاؤها بموجب بروتوكول الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي اعتمده الاتحاد الأفريقي في بوركينا فاسو عام 1998، ودخل حيز التنفيذ في عام 2004. وقد تمثل الهدف الأساسي من تأسيسها في استكمال المهام الحمائية التي تقوم بها اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والارتقاء بمنظومة العدالة من الطابع الاستشاري والتوصيات غير الملزمة إلى مصاف الأحكام القضائية الإلزامية التي تمتلك قوة القانون في مواجهة الدول الأعضاء .
وتتألف المحكمة من أحد عشر قاضياً من رعايا الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، يتم انتخابهم بصفتهم الشخصية من بين الشخصيات المشهود لها بالكفاءة والنزاهة والخبرة القانونية والقضائية العالية. ويراعى في تشكيل المحكمة تمثيل عادل للمجموعات الجغرافية الرئيسية في القارة، بالإضافة إلى ضمان التوازن بين الجنسين، مما يضفي على هذه الهيئة زخماً تمثيلياً يعكس التنوع الثقافي والقانوني لأفريقيا، ويضمن في الوقت نفسه استقلالية القضاة وعدم خضوعهم للإملاءات السياسية من حكوماتهم الوطنية أثناء أداء مهامهم القضائية التي تمتد لولاية مدتها ست سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة.
وتمتلك المحكمة اختصاصاً واسعاً يمتد ليفصل في جميع القضايا والنزاعات التي تُرفع إليها والمتعلقة بتفسير وتطبيق الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والبروتوكول الملحق به، وأي صك قانوني آخر ذي صلة بحقوق الإنسان تكون الدولة المعنية طرفاً فيه. ولا يقتصر دورها على الجانب القضائي النزاعي الفاصل في الخصومات، بل يمتد ليشمل تقديم الاستشارات القانونية؛ حيث يحق لأي دولة عضو في الاتحاد الأفريقي، أو أي من أجهزته، أو المنظمات الأفريقية المعترف بها، طلب رأي استشاري حول أي مسألة قانونية تتعلق بالميثاق أو بغيره من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان.
وعلى صعيد إمكانية التقاضي والوصول إلى المحكمة، فإن اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان، والدول الأطراف في البروتوكول، والمنظمات الحكومية الدولية الأفريقية، تمتلك الحق التلقائي في رفع الدعاوى مباشرة أمام المحكمة. أما فيما يتعلق بالأفراد والمنظمات غير الحكومية ذات المصلحة، فإن وصولهم المباشر مشروط بإعلان صريح تصدره الدولة المدعى عليها بموجب المادة 34 (6) من البروتوكول، وهي معضلة قانونية وسياسية كبرى؛ إذ إن تراجع بعض الدول عن هذا الإعلان في الآونة الأخيرة قد أسهم في تضييق الخناق على الأفراد وحرمهم من ملاذ آمن لإنصافهم من الانتهاكات المحلية.
وتواجه المحكمة الأفريقية في مسيرتها تحديات تعوق قدرتها على تحقيق كامل أهدافها، يأتي في مقدمتها ضعف الإرادة السياسية لدى العديد من الأنظمة الحاكمة في القارة، والتي تنظر إلى أحكام المحكمة بنوع من الريبة وتعتبرها مساساً بسيادتها الوطنية. وينعكس هذا الأمر جلياً في تدني معدلات امتثال الدول وتنفيذها للأحكام والقرارات الصادرة عن المحكمة، فضلاً عن النقص الحاد في الموارد المالية واللوجستية المخصصة لها، مما يضعف من قدرتها التشغيلية على متابعة القضايا وعقد الجلسات بشكل مستمر وفعال في مقرها الدائم بمدينة أروشا بجمهورية تنزانيا.
ورغم هذه العقبات الهيكلية والسياسية، استطاعت المحكمة على مدار سنوات عملها إصدار العديد من الأحكام التاريخية والقرارات الجريئة التي أسهمت في تطوير الفقه القانوني الأفريقي لحقوق الإنسان. وشملت هذه الأحكام حماية حرية التعبير، وضمان الحق في المحاكمة العادلة، وحقوق المرأة، وحقوق الشعوب الأصيلة في أراضيها وثرواتها،
بالإضافة إلى إصدار تدابير مؤقتة ومستعجلة لحماية المواطنين من التعسف الحكومي، مما جعل منها صوتاً قضائياً لا يمكن تجاهله في الساحة الدولية ودليلاً على نضج الوعي القانوني الإقليمي.
ختاما، يظل مستقبل المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب رهناً بمدى قدرة الدول الأفريقية على تبني نهج ديمقراطي حقيقي يحترم سيادة القانون ويثق في القضاء الإقليمي المستقل كأداة للاستقرار والتنمية المستدامة. إن تفعيل آليات الرقابة على تنفيذ الأحكام من قبل الأجهزة السياسية للاتحاد الأفريقي، وزيادة الوعي الشعبي والحقوقي بدور المحكمة، هما الركيزتان الأساسيتان لتحويل هذه المؤسسة القضائية من مجرد هيئة تصدر نصوصاً قانونية إلى درع حقيقي يحمي كرامة الإنسان الأفريقي وحقوقه الأساسية .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق