التزكيات الفوقية و"التقية السياسية": عندما تصنع الأحزاب هزيمتها بيدها في بني ملال خنيفرة

 التزكيات الفوقية و"التقية السياسية": عندما تصنع الأحزاب هزيمتها بيدها في بني ملال خنيفرة





​بقلم: [محمد المخطاري ]

​تعيش المشاهد السياسية المحلية بجهة بني ملال خنيفرة على وقع حراك صامت، لكنه يحمل في طياته بذور تغيير جذري قد يقلب موازين القوى في أي استحقاق قادم. فالأمر لم يعد مجرد تخمينات، بل أضحى واقعاً ملموساً تقوده قيادات اثنين من أكبر الأحزاب السياسية في الجهة، واللذين اختارا، عن وعي أو دونه، اعتماد "سياسة الأمر الواقع" وفرض تزكيات فوقية لم تراعِ نبض القواعد ولا خصوصية الامتداد الشعبي.

​هذا الأسلوب العمودي في اتخاذ القرار خلّف وراءه قواعد غاضبة، منكسرة، تعيش حالة من الاغتراب التنظيمي. غير أن الخطير في المشهد الراهن ليس الغضب بحد ذاته، بل طبيعته؛ فهو غضب لا يترجم في بلاغات نارية أو انسحابات علنية، بل يتدثر بعباءة "التقية السياسية". إنها حالة من الصمت المطبق والانحناء المؤقت للعاصفة، تنطوي على ترتيبات سرية لـ "قلب البوصلة" نحو وجهات أخرى، في سلوك يجسد "الحقيقة المرة" التي ترفض القيادات المركزية بـأبراجها العاجية الاعتراف بها.

​معضلة "الأمر الواقع" وانفصال المركز عن الهامش

​إن لجوء الأحزاب الكبرى إلى فرض أسماء بعينها دون استشارة حقيقية للقواعد المحلية يعكس أزمة ديمقراطية داخلية بنيوية. في جهة كجهة بني ملال خنيفرة، بجغرافيتها المعقدة وتنوعها السوسيو-ثقافي، لا يمكن لصناديق الاقتراع أن تُقاد بـ "التحكم عن بعد".

​حينما يتم تهميش الطاقات المحلية والشباب المناضل الذي يمتلك الشرعية النضالية والقرب من المواطن، لحساب حسابات ريعية أو "بروفايلات" جاهزة مفروضة من الأعلى، فإن الحزب لا يزكي مرشحاً فحسب، بل يزكي معولاً لهدم تماسك بيته الداخلي.

​"التقية السياسية": الغضب الصامت الذي يسبق العاصفة

​تخطئ القيادات الحزبية إذا اعتقدت أن انضباط القواعد الظاهري وحضورها الباهت في اللقاءات الرسمية هو صك غفران أو قبول بالأمر الواقع. إن ما يحدث اليوم في بني ملال، والفقيه بنصالح، وخنيفرة، وأزيلال، وخريبكة، هو ممارسة واعية لـ "التقية السياسية".

​المناضلون الغاضبون قرروا عدم الدخول في مواجهات مباشرة قد تعرضهم للمحاسبة التنظيمية، وفضلوا الاحتفاظ ببطاقاتهم الانتخابية وقدرتهم التعبئية كـ "كتلة صامتة" و"قنبلة موقوتة" ستنفجر في وجه الحزب داخل معزل التصويت.

​قلب البوصلة.. سيناريوهات العقاب الانتخابي

​تشير كل التوقعات والقراءات الميدانية إلى أن هذه "الحقيقة المرة" ستترجم قريباً إلى معادلة "التصويت العقابي". ولن يخرج سيناريو "قلب البوصلة" عن ثلاثة اتجاهات رئيسية:

​الدعم الخفي للمنافسين: توجيه الخزان الانتخابي للقواعد المنكسرة نحو أحزاب أخرى (سواء كانت منافسة تقليدية أو قوى صاعدة) نكاية في قرارات المركز.

​العزوف السلبي: سحب الماكينة التعبئية للحزب والامتناع عن خوض الحملات الانتخابية، مما يترك المرشح "المزكى" معزولاً بدون غطاء شعبي.

​الهجرة الجماعية الصامتة: الانتقال الجماعي نحو تنظيمات سياسية بديلة بدأت بالفعل في فتح أبوابها لاستقطاب مغاضبي الأحزاب الكبرى.

​عواقب الاستعلاء السياسي

​إن السياسة، في جوهرها، هي علم إدارة التوقعات وبناء الثقة، وليست فرضاً للإرادات بالقوة. وما تشهده جهة بني ملال خنيفرة اليوم هو جرس إنذار شديد اللهجة لقيادات الأحزاب الكبرى.

​إن المراهنة على "الأمر الواقع" والقبول الشكلي للقواعد هو رهان خاسر، لأن القواعد المنكسرة قد لا تملك سلطة منع التزكية، لكنها تملك حتماً سلطة إسقاط المرشح. والحقيقة المرة التي يجب أن تستوعبها هذه الأحزاب هي أن من يزرع الاستعلاء الفوقي، لن يحصد سوى الخذلان في صناديق الاقتراع، لتبقى الجهة مرشحة لزلزال سياسي يعيد رسم خريطتها بعيداً عن حسابات الرباط والدار البيضاء.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق